سلسلة يسوم

توطين الوظائف في المملكة: رحلة تحوّل استراتيجي عظيم نحو اقتصاد وطني مُستدام

أضحى تمكين المواطن السعودي أحد أبرز مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أعلنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في ربيع عام 2017 م، حيث باتت سياسة التوطين ركيزةً أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية المُستدامة. و لذلك لم تعُدْ سعودة الوظائف إجراءً تنظيميًا تقليديًا، بل غدت استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الوظيفي وتمكين الكفاءات الوطنية ؛ وزيادة مشاركتها في سوق العمل بما ينعكس أثره إيجابًا على رفاه المجتمع واستقراره.

التوطين: المفهوم والآليات القانونية

يقصد بالتوطين السياسة الوطنية الهادفة إلى رفع نسبة توظيف المواطنين والمواطنات في مختلف القطاعات، ولاسيما القطاع الخاص.

وقد حرصت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية على تفعيل هذه السياسة من خلال إصدار القرارات والأنظمة واللوائح التي تحدد المهن المستهدفة بالتوطين. كما وتبين النِّسَب الزمنية الواجب تحقيقها وآليات تطبيقها. حيث أضحت هذه القرارات ملزِمةً للمنشآت.  بالإضافة إلى ذلك أصدرت الوزارة دليلًا إجرائيًّا يوضّح شروط التوطين، وآلية احتساب النِّسَب، والعقوبات المترتبة على مخالفة أحكامها.

التوطين والسعودة: تشابه أم اختلاف؟

هناك خلط كبير عند كثير من الناس بين مفهومَين متقاربَين (التوطين) و(السعودة)، فهل هما مترادفان أم هناك فروقًا بينهما؟

يجدر التنويه إلى وجود تشابه بينهما في الهدف العام وهو العناية برفع مستوى مشاركة المواطنين والمواطنات في سوق العمل على العموم، ولكن هناك عددًا من الفروقات بينهما بعدة اعتبارات كما يلي:

1. من حيث التركيز:

  • التوطين: يعنى بالجانب النوعي والجودة، وذلك من خلال تدريب المواطن بما يلزمه من مهارات وأدوات تؤهّله لسوق العمل. وتحسين كفاءة سوق العمل عمومًا، مع التركيز على مرتّب الموظف ومسماه الوظيفي.
  • السعودة: تعنى بالجانب الكمّي من التوظيف، وذلك من خلال تحقيق نسب محددة لتوظيف المواطنين في منشآت القطاع الخاص مع التركيز على الامتثال للنِسب النظامية المعتمدة. دون أن يكون البُعد النوعي هو الغاية الأساسية مقارنةً بسياسة التوطين الشاملة.

2. من حيث الطبيعة النظامية:

التوطين: يعد سياسة عامة وإطارًا استراتيجيًا تتبناه الدولة لرفع مشاركة المواطنين في سوق العمل. وتحقيق الاستدامة الوظيفية، ويظهر أثره عبر خطط وبرامج متعددة.

السعودة: تعد أداة تنظيمية إلزامية تطبَّق من خلال قرارات تنفيذية تفرض نسبًا محددة لتوظيف السعوديين في أنشطة وقطاعات معيّنة. ويترتب على مخالفتها جزاءات نظامية

  3. من حيث الهدف الزمني:

  • التوطين: عملية طويلة المدى زمنيًّا، فليس الهدف منها جزئيًّا أو لحظيًّا. بل هي عملية تأهيل مستمرة لبناء قدرات وطنية مُستدامة، والرفع من مستوى وكفاءة المواطن في سوق العمل عمومًا.
  • السعودة: عملية هدفها الزمني قصير إلى متوسط نسبيًّا؛ لأن المقصود منها هو تحقيق التوظيف للمواطن بحسب النِّسَب المقرّرة للتوظيف من قِبَل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.

4. من حيث آلية التنفيذ:

  • التوطين: تقوم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بإصدار قائمة فيها بيان المِهَن أو الأنشطة التي يقتصر العمل فيها على المواطنين فقط. وكذلك النِسَب المحددة للمواطنين في المِهَن. كما وتقوم الوزارة عبر صندوق ( هدف ) بتقديم التأهيل المطلوب من تدريب وبرامج ودورات مهنية ودعم مالي لأجل تدريب وتوظيف المواطنين، وتراقب مدى الالتزام بهذه القرارات.
  • السعودة: تقوم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بتحديد المِهَن المخصصة للمواطنين ودعم الباحثين عن عمل من المواطنين مع التدريب والتأهيل. بالإضافه إلى ذلك تقوم الوزارة عبر صندوق ( قوى ) بمراقبة نِسَب السعودة في المنشآت، وكلما ارتفعت النسبة في المنشأة ازداد تقييمها في (نطاقات) وزادت مزاياها.

وفي الخلاصة: يمكن القول إن التوطين يعنى بالجانب النوعي ورفع كفاءة المواطن وتأهيله بشكل جيد لسوق العمل، بينما السعودة تعنى بالجانب الكمي لعدد المواطنين في منشأة بعينها بغض النظر عن مؤهلاتهم ومهاراتهم.

التوطين: التنوّع في برامج الدعم الحكومي

لم تقتصر سياسة التوطين على الجانب القانوني والإلزامي للمنشآت، فهذه السياسة صارت مدعومةً بمنظومة شاملة متكاملة من برامج الدعم الحكومي. ويراد بها إعانة المواطنين والمواطنات على الانخراط في سوق العمل، وتخفيف الأعباء الواقعة عليهم. وبذلك يعتبر صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) حجر الزاوية في هذه المنظومة، كما أنّ هناك طيفًا متنوّعًا من صور دعم التوطين، ومن أبرزها:

  • برامج الدعم المالي: وفيها مكافأة المنشآت على التوطين، وإعانة الباحثين عن عمل من العاطلين (حافز)، وكذلك برامج دعم النقل.
  • برامج التمكين: وهي منتجات مقدَّمة لتمكين التوظيف المستدام للفئات التي تواجه تحدّيات في سوق العمل سواء بالدخول أو البقاء فيه.
  • برامج التدريب والتأهيل: هناك عدد متنوع من برامج صندوق (هدف) المعنيّة بتدريب وتأهيل الكوادر الوطنية ورفع كفاءتها في سوق العمل، ومن ذلك تطوير الخريجين والشهادات المهنية المتخصصة.

ولا بد من التنويه هنا إلى أن الاستفادة من هذه البرامج تخضع لشروط موضّحة في تفاصيلها، ويمكن معرفتها عبر المنصات الرسمية الحكومية، مثل:

  • موقع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.
  • موقع صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف).

ختاماً:

تمثل سياسة التوطين في المملكة العربية السعودية نهجًا استراتيجيًّا متوازنًا يجمع بين الإلزام النظامي والتحفيز الاقتصادي الاجتماعي، بما يهدف إلى بناء اقتصاد وطني مُزدهر قائم على الكفاءات الوطنية المؤهلة ، وتوفير فرص عمل مستدامة للمواطنين والمواطنات، ويبقى نجاح هذه السياسة مرهونًا بحسن التنفيذ وفاعلية التطبيق وتكامل الأدوار  بين أطراف سوق العمل والالتزام التام بالأنظمة والقرارات المنظمة.

بقلم المحامية/ سارة الغامدي


 

شركة يسوم للمحاماة

ترى يسوم للمحاماة أن توطين الوظائف لم يعد مجرد التزام نظامي تقاس به نسب الامتثال، بل هو مسار استراتيجي لبناء سوق عمل مستدام يقوم على الكفاءة والاستقرار وجودة الأداء. فنجاح التوطين الحقيقي يتحقق عندما تلتزم المنشآت بروحه قبل نصوصه، وتستثمر في تأهيل المواطن وتمكينه، لا الاكتفاء بشغل وظيفة لتحقيق نسبة شكلية.

وفي هذا السياق، تحذّر يسوم من ممارسات السعودة غير النظامية التي تفرغ سياسات التوطين من مضمونها، مثل التوظيف الصوري أو تسجيل مواطنين دون مباشرة فعلية أو إسناد مهام حقيقية، لما يترتب عليها من آثار نظامية واقتصادية سلبية، سواء على المنشأة أو على سوق العمل ككل. فهذه الممارسات لا تحقق الاستدامة الوظيفية. وتعرّض المنشآت لمساءلات وجزاءات نظامية، فضلًا عن إضعاف الثقة في منظومة التوطين.

ومن هذا المنطلق، تؤكد يسوم أن الالتزام الواعي بسياسات التوطين، والابتعاد عن التحايل في تطبيق السعودة. و الذي ينعكس مباشرة على استقرار المنشآت، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز بيئة عمل صحية. مما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.

أسئلة شائعة:

1. ما المقصود بتوطين الوظائف في السعودية؟

توطين الوظائف هو سياسة وطنية تهدف إلى زيادة مشاركة المواطنين والمواطنات في سوق العمل، مع التركيز على التأهيل ورفع الكفاءة وتحقيق الاستدامة الوظيفية.

2. ما الفرق بين التوطين والسعودة؟

التوطين يركز على الجانب النوعي وجودة الوظائف وتأهيل المواطن، بينما السعودة تركز على تحقيق نسب محددة لتوظيف السعوديين دون اعتبار أساسي لجودة الوظيفة أو التأهيل.

3. هل السعودة إلزامية على منشآت القطاع الخاص؟

نعم، تُعد السعودة التزامًا نظاميًا مفروضًا على منشآت القطاع الخاص وفق نسب ومهن تحددها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.

4. ما هي السعودة غير النظامية؟

السعودة غير النظامية هي ممارسات مخالفة، مثل التوظيف الصوري أو تسجيل مواطنين دون عمل فعلي أو مهام حقيقية، بهدف تحقيق نسب شكلية فقط.

5. ما عقوبة السعودة الوهمية في السعودية؟

تترتب على السعودة الوهمية جزاءات نظامية تشمل الغرامات، وخفض تقييم المنشأة في نطاقات، وحرمانها من بعض خدمات وزارة الموارد البشرية.

6. كيف تطبق وزارة الموارد البشرية التوطين؟

تطبق الوزارة التوطين من خلال قرارات تنظيمية تحدد المهن المستهدفة والنسب المطلوبة، ومتابعة الالتزام، وفرض العقوبات عند المخالفة.

7. ما دور صندوق هدف في التوطين؟

يقوم صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) بدعم التوطين عبر برامج التدريب، والتأهيل، والدعم المالي، وتمكين التوظيف المستدام للمواطنين.

8. هل التوطين جزء من رؤية السعودية 2030؟

نعم، يُعد التوطين أحد الركائز الرئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 وبناء اقتصاد وطني مستدام.

9. ما المهن المستهدفة بالتوطين؟

تشمل المهن المستهدفة بالتوطين الوظائف التي تحددها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية وفق خطط زمنية ونسب محددة.

10. كيف تتجنب المنشآت مخالفات السعودة؟

تتجنب المنشآت المخالفات بالالتزام الفعلي بتوظيف المواطنين، وإسناد مهام حقيقية لهم، وتطبيق قرارات التوطين دون تحايل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *