الكلمة مسؤولية: التمييز النظامي بين السبّ والشتم والقذف
يحرص النظام السعودي على صون كرامة الأفراد وحماية سمعتهم. ويُولي هذا الجانب عناية خاصة مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئ العدالة، باعتبار الكرامة الإنسانية حقًا أصيلاً لا يجوز المساس به.
وانطلاقًا من ذلك، فرّق النظام بين جرائم السبّ والشتم والقذف من حيث المفهوم والحكم والعقوبة. سواء وقعت هذه الأفعال بصورة مباشرة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما يحقق الحماية النظامية للحقوق الشخصية ويكفل الردع اللازم.
أولًا: السب والشتم
السبّ والشتم: هو كل قولٍ أو فعلٍ أو إشارة تنطوي على إهانة أو تحقير أو إساءة تمسّ كرامة الإنسان. أو تشتمل على ألفاظ نابية أو عبارات مهينة دون أن يترتب عليها إسناد واقعة محددة تمسّ عرضه.
حكم السب والشتم:
السبّ والشتم محرمًا شرعًا ومجرّمًا نظامًا لما ينطوي عليه من اعتداءٍ صريح على كرامة الإنسان وإيذاءٍ نفسي ومعنوي. فضلاً عن تعارضه مع القيم الإسلامية والآداب العامة التي يقوم عليها المجتمع السعودي.
عقوبة السب والشتم:
تعدّ العقوبة في جرائم السبّ والشتم عقوبةً تعزيرية تخضع لتقدير القاضي. وذلك وفقًا لملابسات الواقعة وجسامة الإساءة وآثارها النفسية والمعنوية على المجني عليه، فضلاً عن الوسيلة التي ارتُكبت بها. وتكون العقوبة على النحو الآتي:
- إذا وقع السبّ بصورة مباشرة عدّت من الجرائم التعزيرية.
- إذا وقع السبّ أو الشتم عبر الوسائل الرقمية فتخضع الجريمة لأحكام نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية وما قرره من عقوبات.
ثانيًا: القذف
القذف: هو إسناد واقعة محددة صراحةً أو ضمنًا إلى شخص بما يمس شرفه أو عرضه أو نسبته إلى ارتكاب فعلٍ مخِلّ بالأخلاق. ويعدّ القذف أشدّ خطورة من السبّ والشتم لما ينطوي عليه من مساسٍ مباشر بسمعة الإنسان واعتباره الاجتماعي.
حكم القذف:
يعدّ القذف محرّمًا شرعًا ومشدّدًا في العقوبة ويُصنف من كبائر الذنوب. ولا سيما إذا تعلّق بقذف المحصنات لما ينطوي عليه من انتهاكٍ جسيم للأعراض واعتداءٍ بالغ على الكرامة الإنسانية.
عقوبة القذف:
حدّدت الشريعة الإسلامية عقوبة القذف بنصٍ صريح في القرآن الكريم وهي (ثمانون جلدة). وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
ويقام حدّ القذف متى توافرت أركانه الشرعية وانتفت الشبهات المانعة من إقامته.
ثالثًا: السب والشتم والقذف عبر وسائل التواصل الاجتماعي (الجرائم المعلوماتية)
مع التوسّع الكبير في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، شدّد النظام السعودي على تجريم كل صور الإساءة أو التشهير المرتكبة عبر هذه الوسائل. واعتبر أن السبّ أو الشتم أو القذف الإلكتروني لا يقل خطورة عن الأفعال التقليدية بل قد تتجاوز آثاره نطاقها لما يتميّز به من سرعة انتشار واتساع نطاق الضرر.
وقد نصّ نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية على تجريم التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي .وتخضع هذه الأفعال للمساءلة النظامية متى ما توافرت أركان الجريمة.
العقوبة:
نصّت الفقرة الخامسة من المادة الثالثة من نظام الجرائم المعلوماتية على أنه: (يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال أو بأحدى هاتين العقوبتين؛ كل شخص يرتكب أيًا من الجرائم المعلوماتية الآتية:
( التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة )
ولا يخلّ ذلك بتطبيق العقوبات الشرعية أو التعزيرية متى ما بلغ الفعل حدّ القذف الموجب لإقامة الحد.
ختــاماً:
إن التفريق بين جرائم السبّ والشتم والقذف ليس تفريقًا شكليًا. بل هو تأكيد على قدسية العرض وحرمة الكرامة ورسالة واضحة بأن حرية التعبير لا تعني التجاوز أو الإضرار بالآخرين. فصيانة اللسان مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون التزامًا نظاميًا، ولا سيما في عصرٍ تقال فيه الكلمة بيسر وتنتشر في لحظات. بينما تبقى آثارها راسخة في النفوس، ومن هذا المنطلق حرصت الشريعة الإسلامية والنظام السعودي على حماية كرامة الإنسان وسمعته. إدراكًا لما للكلمة من أثرٍ بالغ وما للإساءة من ضرر يتجاوز لحظة الغضب إلى أثرٍ ممتدّ في حياة الأفراد والمجتمع.
بقلم المحامية / سارة الغامدي
شركة يسوم للمحاماة
ترى شركة يسوم للمحاماة أن الوعي بالتمييز بين السبّ والشتم والقذف أصبح ضرورة قانونية واجتماعية. خصوصًا مع سهولة النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة انتشار العبارات المسيئة. فحرية التعبير لا تمنح صاحبها حق الإساءة أو التشهير أو المساس بسمعة الآخرين. والكلمة المنشورة قد تتحول إلى دليل نظامي يترتب عليه جزاء شرعي أو تعزيري أو معلوماتي بحسب طبيعة الفعل ووسيلته وآثاره.
كما تؤكد يسوم أن الوقاية القانونية تبدأ من ضبط العبارة قبل نشرها. وفهم حدود النقد المشروع، والتمييز بين إبداء الرأي والتعدي على الكرامة أو العرض أو السمعة. لأن أثر الكلمة قد يتجاوز لحظة الغضب إلى مسؤولية قانونية كاملة.
أسئلة شائعة:
1. ما الفرق بين السبّ والشتم والقذف في النظام السعودي؟
السبّ والشتم يكونان غالبًا في صورة إهانة أو تحقير أو ألفاظ مسيئة تمس كرامة الشخص دون إسناد واقعة محددة إليه، أما القذف فيتعلق بإسناد واقعة تمس العرض أو الشرف أو الأخلاق، ولذلك يُعد أشد خطورة من السبّ والشتم.
2. هل السبّ أو الشتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي جريمة؟
نعم، إذا وقع السبّ أو الشتم أو التشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي فقد يدخل ضمن الجرائم المعلوماتية متى ترتب عليه إساءة أو إلحاق ضرر بالآخرين عبر وسائل تقنية المعلومات.
3. ما عقوبة التشهير أو الإساءة عبر وسائل التواصل في السعودية؟
نص نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية على معاقبة من يرتكب التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنية المعلومات بالسجن مدة لا تزيد على سنة، وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
4. هل القذف يختلف عن التشهير الإلكتروني؟
نعم، القذف له طبيعة شرعية خاصة إذا توافرت أركانه، وقد يوجب حد القذف، أما التشهير الإلكتروني فيرتبط باستخدام الوسائل الرقمية لإلحاق الضرر بالآخرين، وقد تجتمع المسؤوليتان بحسب الواقعة ومضمون العبارة وطريقة نشرها.
5. هل كل نقد على وسائل التواصل يُعد سبًا أو تشهيرًا؟
ليس كل نقد يُعد جريمة، فالنقد المشروع جائز متى كان منضبطًا وخاليًا من الألفاظ المهينة أو الاتهامات غير المثبتة أو العبارات التي تمس السمعة والكرامة، أما التجاوز أو الإساءة أو إسناد وقائع مخلة فقد يعرّض صاحبه للمساءلة.
6. متى أحتاج إلى محامٍ في قضايا السب أو القذف أو التشهير؟
تحتاج إلى محامٍ عند تعرضك لإساءة أو قذف أو تشهير، أو عند اتهامك بذلك، لأن التكييف القانوني للعبارة يختلف بحسب اللفظ المستخدم، وطريقة النشر، والأدلة المتاحة، ومدى الضرر الواقع على الطرف المتضرر.